أبو علي سينا

الفن السادس 128

الشفاء ( الطبيعيات )

ظاهرا لا شك فيه أن كل جسم فاعل يجب أن يكون ملاقيا للملموس ، فإن هذا وإن كان موجودا بالاستقراء في أكثر الأجسام فليس واجبا ضرورة أن يكون كل فعل وانفعال باللقاء والتماس ، بل يجوز أن تكون أفعال أشياء في أشياء من غير ملاقاة . فكما « 1 » يجوز أن يفعل ما ليس بجسم في الجسم من غير ملاقاة كالبارى والعقل والنفس ، فليس ببدع أن يكون جسم « 2 » يفعل في جسم بغير الملاقاة ، فتكون أجسام تفعل بالملاقاة وأجسام تفعل لا بالملاقاة . وليس يمكن أحد أن يقيم برهانا على استحالة هذا ولا على « 3 » أنه لا يمكن أن يكون « 4 » بين الجسمين نصبة ووضع يجوز أن يؤثر أحدهما في الآخر من غير ملاقاة ، إنما يبقى هاهنا ضرب من التعجب كما لو كان انفق أن كانت الأجسام كلها إنما يفعل بعضها في بعض بمثل تلك النصبة المباينة ، فكان إذا اتفق أن شوهد فاعل بفعل بالملاقاة تعجب منه كما يتعجب الآن من مؤثر بغير ملاقاة . فإذا كان هذا غير مستحيل في أول العقل وكان صحة مذهبنا « 5 » المبرهن عليه يوجبه وكان لا برهان البتة ينقضه فنقول : إن من شأن الجسم المضيء بذاته والمستنير الملون « 6 » أن يفعل في الجسم - الذي يقابله إذا كان قابلا للشبح قبول البصر وبينهما جسم لا لون له - تأثيرا هو صورة مثل صورته من غير أن يفعل في المتوسط شيئا ، إذ هو غير قابل لأنه شفاف . فإذا كان غير بين بنفسه ولا قام عليه برهان أن لا « 7 » يكون جسم يفعل في مقابل له بتوسط شفاف البتة ، وكان هذا مجوزا في أول العقل ومتضحا بما برهنا عليه من كيفية الإدراك ، وكان ذلك غير محال ، فكذلك غير محال أيضا أن يكون بدل المتوسط الواحد متوسطان : المتوسط ومتوسط آخر ، وبدل النصبة والوضع نصبتان ووضعان : النصبة والوضع المذكوران ، « 8 » مع وضع ونصبة أخرى . فيكون بدل هذا المتوسط الشفاف وحده متوسط ملون « 9 » صقيل مع الشفاف ، وبدل نصبة المقابلة مع هذا المضيء والمستنير النصبة والمقابلة مع ذلك الصقيل الذي له النصبة والوضع

--> ( 1 ) فكما : كما ك . ( 2 ) جسم ( الأولى ) : ساقطة من د . ( 3 ) ولا على : وعلى م ( 4 ) يكون : ساقطة من م . ( 5 ) مذهبنا : مذهب م . ( 6 ) الملون : ساقطة ممن م . ( 7 ) أن لا : ألا د ؛ إلا أن ؛ أن م . ( 8 ) المذكوران : المذكورة د . ( 9 ) ملون : يكون م .